عمر فروخ
184
تاريخ الأدب العربي
الدينية بالعقل ) فاتّهمه فقهاء المالكية بأنّه معتزلي . والحكم المستنصر نفسه ( 350 - 366 ه ) كان يستحسن المذهب الشافعيّ ويكرم أهله من الأندلسيّين ومن غيرهم ، وقد عيّن أبا عمرو يوسف بن محمّد الهمدانيّ ( ت 383 ) من أهل شذونة - وكان شافعيا - على قضاء قلسانة ، وعيّن أخاه على الصلاة في شريش . وفي نطاق المذهب الظاهريّ : ولد أبو سليمان داود بن عليّ بن خلف الاصفهانيّ ( 201 - 270 ه ) في الكوفة . ثمّ إنّه انتقل إلى بغداد . وكان اعتماده في الفقه على الظاهر ( يأخذ بما يدلّ عليه ظاهر آيات القرآن وأحاديث الرسول من غير لجوء إلى تأويل أو رأي أو قياس ) . فعلى هذا يكون قد أوجد المذهب الظاهريّ وعرف هو بداود الظاهريّ . ومع أنّ المذهب الظاهريّ كان قد انتقل إلى الأندلس على يد أبي محمّد عبد اللّه ابن محمّد بن هلال ( ت 292 ) ، فإنّ الرجل الذي عمل عن نشر المذهب والاحتجاج له والدفاع عنه كان منذر بن سعيد البلّوطيّ ( 272 - 355 ه ) . غير أن هذا المذهب ظلّ ، في المشرق والمغرب ، قاصرا . وفي أيام المنصور بن أبي عامر ( 366 - 392 ه ) خفّت الدعوة إلى المذهب الظاهري لأنّ المنصور وقف إلى جانب فقهاء المذهب المالكيّ خصوم المذهب الظاهري . من المنتظر أن تكون الحضارة والثقافة في صقلّية جانبا من الحضارة والثقافة في إفريقية ( القيروان ) والمغرب . ويبدو أن الحياة في دورها الأوّل ( في عهد الأغالبة ) كانت دينية في مجملها فقد أكثر المسلمون الأوّلون في صقلّية من بناء المساجد : كان الأخ وأخوه أو الأب وابنه يبني كلّ واحد منهما مسجدا قريبا أحدهما من الآخر . ولم يكن ذلك دليلا على انتشار الإسلام وعلى عمق الشعور الديني في الناس فحسب ، بل كانت المساجد مراكز للعلم وللتعليم أيضا . وكذلك يبدو أن الفقه المالكي كان السائد في صقلّية ، ولا غرو فإنّ فتح صقلّية بدأ بأسد بن الفرات . وأساس العلم عند أتباع مالك اليوم كتاب ( المدونة ) وقد جمعها أسد بن الفرات في « الأسدية » . . . وكان أسد بن الفرات تلميذا للإمام